محمد بن عمر التونسي

93

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

وكتب حينئذ للخليفة كتابا يقول فيه بعد السلام : اعلم يا ولدى أنه قد اعترانى مبادى ما لا بدّ منه ، ولا محيص عنه ، فإذا وصلك كتابي هذا فخلّف ولدك خليل على دارفور ، وعجّل بالقدوم ، عسى أن تدركنى وبىرمق ، لعلّى أدبّر لك شيئا ينفعك والسلام . وختم الكتاب وأرسله صحبة هجّان . وطاش الخبر أنّ السلطان ثقل عليه المرض ، وأرجف بموته ، وصارت الناس لا يتحدّثون إلّا بذلك . وكان محمد كرّا كثيرا ما يدخل دار السلطان ، ويجتمع على نسائه . وكان ممّن يجتمع عليها إياكرى « 1 » كنانة ، أعظم نساء السلطان ، صاحبة الرتبة الجليلة . لأن كل سلطان يتولى لا بدّ وأن يحبّ أحد نسائه ، ومن أحبّها وقلّدها أمور الحكم في بيته ، هي التي تسمّى إياكرى حقيقة . وهذا اللفظ معناه السيّدة الملكية ، وإن قيل لغيرها من نساء السلطان إياكرى ، فذلك من قبيل التعظيم لا غير . وهذه كنانة كانت صاحبة رأى وتدبير ، [ و ] كان السلطان تيراب لا يألف غيرها إلّا لماما « 2 » ، ولهذا قلّدها هذا المنصب ؛ لأن هذا المنصب له ( 87 ) إقطاع ومعاليم ، وأموال تجبى لها منه ، وتصدر منها أوامر ، ولها قوّاد يضبطون أموالها وأحوالها . فلما رأت أن السلطان ميّت لا محالة ، خافت على نفسها ، وكان لها ولد يسمى

--> ( 1 ) اياكرى : لقب كان يطلق في دارفور على السيدة الأولى في القصر السلطاني ، سواء كانت هذه السيدة أم السلطان أو أخته الكبرى أو زوجة السلطان المتوفى . وهو يقابل لقب ملكة . ( 2 ) في الأصل : لماسا .